فنجان الصباح
أحمدع الوهاب
سياحة مع الدكتور معتز البرير في كتابه( تاريخ التقانة)
أنجز الدكتور المعتز البرير مؤلفه الموسوم ( تاريخ التقانة) وقد أهداني الصديق والزميل العزيز الاستاذ محمد الياس السني مشكورا نسخة من الكتاب الذي صدر عن إدارة النشر والإعلام بجامعة العلوم والتقانة الادارة التي تشرف الاستاذ السني بتأسيسها وادارتها.
لقد أوفى المعتز بمؤلفه هذا بعض دين مستحق لمدينته أمدرمان و طوق جيد أمدرمان بجوهرة فريدة تضاف لعقد فريد تشكل فيه جامعة التقانة الدرة اليتيمة وواسطة العقد..
لقد بارك الله في وقت المعتز فأنجز وهو في شرخ الصبا عدة صروح كل واحدة منها كفيلة بأن تستغرق الوقت وتسرق العمر صروح بمقدورها ان تضع صاحبها ضمن الرواد واصحاب المنجزات الكبار..
فقد تصدى الرجل وأنشأ جامعته ثم رعاها حق رعايتها منذ ان كانت كلية حتى اشتد عودها واستوت على سوقها وصارت جامعة يشار لها بالبنان وتضرب لها اكباد الابل.. وكم كان لافتا ومميزا ان اسم العلوم والتقانة كان من اقتراحات العلامة بروفيسور عبد الله الطيب عطر الله ثراه. لقد كنت في منتصف التسعينات احاور البروفيسور مامون حميدة وكان قد تخلى عن ادارة جامعة الخرطوم للتو.. وقد أسر الي بنيته انشاء كلية للطب.. وقد اوردت ذلك في ثنايا الحوار.. ولكن ذلك الحوار فتح علي هجوما كاسحا من اطباء كبار.. وسلقوني بألسنة حداد.. فمن قال لي ان كلية الطب مثل كلية الشرطة.. لا تقوم بها اى جهة غير الدولة ومن قال لي ان كلية الطب تحتاج الى مشرحة خاصة ومن قال انها تحتاج الى مستشفى تعليمي.. للدلالة على استحالة هذه المهمة.. وقد اوردتها هنا لتاكيد ريادة الدكتور معتز في هذا المجال واقتحامه هذا المجال الخطير.. لم يكتف الرجل بانشاء جامعته الخاصة والتي اطلقت اول كلية خاصة للصيدلة في السودان بل اطلق المعتز مبادرة ثقافية باسم (منتدى البرير الثقافي) الذي أضاء ليل ام درمان بعدما خبا نجم مكتبة البشير الريح – حياها الغمام.. المكتبة التي وصفها الاستاذ علي عثمان محمد طه النائب الاول الأسبق في عهد الانقاذ بأنها خدمت الثقافة بأكثر مما خدمته وزارات الثقافة مجتمعة.. وعلى صعيد آخر كان الدكتور المعتز يؤسس على مهل اكبر مدينة طبية في السودان.. لتنهض رويال كير المستشفى العالمي الذي طبقت شهرته كأفضل مستشفى من نوعه في السودان وفي الاقليم..
فعلي رغم تعدد مؤسساته وتوسعها الا انها نجت من السقوط في فخ الانتشار رديف الانهيار في السودان وذلك بفضل المؤسسية، فقد ظل مع تعدد المؤسسات ممسكا بالخيوط بكل براعة.. ولا غرو فقد تخرج الرجل؟
من مدرسة الادارة في جامعة ميسوري بامريكا.. لقد كنت اتذكر سيرة ومسيرة الرجل حين أقرأ للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وهو يقول ان كل من لم يدرك المجد قبل الثلاثين فعليه ان يودع المجد للأبد .. أو حين يقول سارتر عن نفسه ( عندما كنت في سن العشرين كنت مثل ألف سقراط).
هل كان المعتز يسابق الزمن لينجز هذه الصروح العلمية والطبية والثقافية قبل بلوغه الثلاثين.. ربما..رفد المعتز المكتبة السودانية بهذا المؤلف الكبير الذي يقع في نحو ١٥٢ صفحة وتعجب كيف يجد الرجل وقتا للكتابة وسط هذه الأعباء الادارية التي تنوء بها العصبة من أساطين الادارة.
ان الرجل الذي ولج للاستثمار في التعليم العالي والجامعي حري به ان يكون قارئا نهما وكاتبا.. فالكتابة كما عند الاستاذ احمد بهاء الدين( عمل مرموق)..
ان هذا الكتاب جهد توثيقي مقدر افرد فيه مساحات لامدرمان ولشخصيات من امدرمان رجال دولة ورؤساء وزارات وادباء وشعراء وفنانين.. واوفى اسرة البرير بعض حقها كأسرة امدرمانية عريقة شاركت في صناعة تاريخ امدرمان ولها في ذلك سهم وافر وجهد وعطاء وعرق.
يذكر المؤلف بكل الحب مواقف للمغفور له محمد احمد البرير وتصديه لدعم قضية التعليم عامة وتعليم البنات خاصة ويوثق لعمه علي بك البرير وهو اشهر من نار على علم فقد اسس البك النادي السوداني بالقاهرة منذ مطلع الثلاثينات وكانت داره بالقاهرة ملتقى لكل طالبي العلم انذاك وبفضل جهوده تم ادخال عدد كبير من السودانيين للجامعات المصرية.. كما كانت للرجل كلمة مسموعة في البلاط الملكي وله يعود الفضل في اقناع الملك فاروق بابتعاث الدكاترة (محي الدين صابر وبشير البكري واحمد السيد حمد) لجامعة السوربون بباريس.
وثق المعتز لامدرمان وللسودان ولاسرته من خلال تاريخ التقانة ولم ينس أن يوثق مراحل نشأة وتطور جامعة العلوم والتقانة..
ان الرجل من عشاق مدينته امدرمان لا مراء في ذلك و لكنه تفادى ان ان يقع فيما يسميه الاستاذ عثمان نمر ب (متلازمة الامدرمانومانيا).. لم يكن مثل ذلك الإداري الامدرمانوي الذي وصل به التعلق و( النوستالجيا) ان يقيم مجسما للترماج بشارع الموردة مع إن اعادة الترماج للعمل وللحياة ليس عملا مستحيلا.. ولكنه عشق الماضي بشكل غير موضوعي والبكاء على اطلال
الترماج في زمان قطارات الانفاق والقطار الطلقة..